سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
17
الإكسير في علم التفسير
الامتزاج وارتباط بعضها ببعض ، وارتباطها بما قبلها وما بعدها من الجمل ؛ لأن الأجزاء كلما كانت أشد ارتباطا ، كانت أدخل في الفصاحة . وبدون هذا الارتباط والامتزاج والتناسب يكون الكلام كتركيب جسم من نوعين : كرأس إنسان على يدي فرس ، أو كجسم معضل الأعضاء مقطع الأجزاء . ولا بدّ من وضع كل لفظ في موضعه اللائق به ؛ إذ بدون ذلك يصبح مضطربا متناثرا كعقد جعلت كل قطعة منه في غير موضعها ، فإن ذلك يشينه وإن كان ثمينا في نفسه . المعاني : والمعاني قسمان : قسم يستعيره المتكلم ممن سبقه ، وقسم يخترعه هو عند حادث متجدد أو أمر طارئ . وفي كلتا الحالتين يجب عليه الاعتناء من إبداع المعاني الشريفة الألفاظ الأنيقة اللطيفة ، والمعاني أشرف من الألفاظ ، لأنها هي المقصودة بالذات . ولأن المتكلمين يستوون في معرفة الألفاظ ، ويتفاوتون في رتبة البيان ، وما ذلك إلا لتفاوتهم في المعاني . ولأن مقصود البلاغة لا يستخرج إلا بالتدبر والروية ، ويكون ذلك بتوليد المعاني وليس باستخراج الألفاظ ، وإنما العناية باللفظ من توابع العناية بالمعنى ، كما أن العناية بالوعاء إنما هي في الحقيقة عناية بما في داخله وصيانة له عن التغير والفساد . وربما اقتصر قوم على تنميق الألفاظ وتزويقها ، وأهملوا المعاني ، وزعموا أن العرب تصنع ذلك ، فاتخذوا منهم أسوة ، وكم من شاعر تقرأ له قصيدة تطربك بألفاظها وحسنها ورونقها ، فإذا فتشت وراء الألفاظ لم تجد تحتها إلا معنى مألوفا أو مبتذلا . والجواب : أننا لا نسلم أن العرب راعت اللفظ وأهملت المعنى ، وإنما هذا كلام من لم يدرك مغزى كلامهم ، كيف وزهير بن أبي سلمى كان لا ينشر قصيدة حتى يمضي بعد إتمامها سنة فيوضح معانيها ويهذب ألفاظها ؟ . على أننا نحب أن ننبّه الأذهان إلى شيء له أهمية :